محمد عبد الكريم عتوم

215

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

ومن ناحية أخرى فإن التجربة التاريخية لدى أهل السنة والجماعة تكاد تخلو من واقعة واحدة لتطبيق الشورى ، وآلية في اختيار الحاكم بعد عهد الخلفاء الراشدين ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن التحفظ الشيعي على الشورى ، كآلية لاختيار الإمام يستند إلى الواقع التاريخي الإسلامي المضطرب وحرمان الشيعة من الوصول إلى السلطة بشتى الوسائل ، وبالتالي فإن جذر هذا الخلاف يعود لأسباب سياسية بحتة . ويرى الباحث في هذا المجال أنه إذا كانت الشورى كما يراها مفكرو أهل السنة والجماعة القدامى والمعاصرون باعتبارها تعني في حياتنا العامة " صدور الحاكمين على اختلاف مستوياتهم فيما يتخذونه من قرارات ، أو يحدثونه من أوضاع وتنظيمات عن رأي أهل العلم والخبرة والمعرفة فيما يحقق مصلحة الأمة أو ما يتعارض معها . فما حقق مصلحة الأمة وجب إمضاؤه ، وما لم يحقق ذلك وجب منعه " « 1 » . فإن الفكر الشيعي الإمامي المعاصر قد تجاوز رؤية أهل السنة والجماعة في هذا المجال ، حيث أنزلوها " الشورى " من المجال النظري إلى مجال التطبيق العملي ، وهو ما نراه واقعا في تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ ثلاثة عقود ، فعلى الرغم من انتماء التجربة الإيرانية لمدرسة أهل البيت في المجال العقدي والفكري ، إلا أنها على أرض الواقع تجسد نظرية الشورى من خلال واقع قانوني . وعلى سبيل المثال فإن الآلية لفرز أحد الفقهاء ليكون رئيسا للدولة وإماما للأمة ، فتقع على عاتق أهل الحل والعقد ، وحسب دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الخبراء الفقهاء الذين ينتخبهم الشعب ، ونلاحظ أن الأمة هي المصدر الأساسي للسلطة ، سواء بالنسبة للفقيه القائد أو لمجلس صيانة الدستور أو رئاسة الجمهورية ، وبذلك نلاحظ تقاربا كبيرا بين مدرسة السنة ومدرسة الشيعة على أرض الواقع في المجال الشورى العملي . كما أن القائد " الفقيه الولي " يتساوى في حقوقه وواجباته مع بقية أفراد الأمة أمام القانون . وقد أثار نجاح تطبيق هذه الصورة العصرية للشورى الإسلامية دهشة بعض المفكرين العلمانيين المعروفين بمعارضتهم الشديدة لكل ما يسمى بحركات الإسلام السياسي المعاصرة

--> ( 1 ) - العوا 1989 ، 180 .